فهذا بحث يندرج تحب باب واسع من أبواب العربية ، قد ورد به القرآن الکريم ، وفصيح الکلام منثورًا ومنظومًا ، وهو باب الحمل على المعنى ، وقد اهتمت العرب بالمعاني اهتمامًا کبيرًا يدل على عنايتهم بها ، وتقدمها في نفوسهم، وما نشأ علم العربية في خطواته الأولى إلا لتفشي اللحن الذي يذهب بالمعاني ، ويؤدي إلى اضطرابها ، والتباسها ، وغموضها لدى السامع أو القارئ؛ فوضِع الإعراب في الألفاظ لبيان المعاني، وإيضاح دلالات التراکيب . وعلامات الإعراب في الألفاظ دوالّ على المعاني المختلفة التي تعتور الأسماء من الفاعلية ،والمفعولية، والإضافة ، وغيرها من المعاني التي تنشأ عن التراکيب المختلفة باختلاف ترتيب الکلم الذي يوضح غرض المتکلم ، فلم تکن العناية إذ ذاک بالألفاظ بل لخدمة المعاني وإبرازها. قال ابن جني : " ووقَّرُوا المعنى ورجَّبوه ؛ لشرفه عندهم وتقدمه في أنفسهم؛ فرأوا الإخلال باللفظ في جنب الإخلال بالمعنى يسيرًا سهلاً وحجمًا محتقرًا ". ([1]) فالمعنى غالب للفظ ، ومقدم عليه لشرفه ، واللفط خادم جيء به له ومن أجله إيضاحًا وإبرازًا ، وقد ذکر الزمخشري أن الميل مع المعنى والإعراض عن اللفظ جانبًا باب جليل من علم العربية.([2]) ولتأدية المعاني القائمة في نفس المتکلم والإخبار عنها في تراکيب بسيطة طريقان : الطريق الأول: إسناد الفعل ،أو ما في معناه إلى الاسم المتأخر عنه ،نحو : قام زيدٌ ، وما قائمٌ أخواک ، والاسم في هذا الطريق فاعل في الصنعة النحوية ، والطريق الثاني: إسناد الفعل ،أو ما في معناه إلى الاسم المتقدم عليه نحو : زيد قام ، وعمرو قاعد، والاسم في هذا الطريق مبتدأ من حيث الصنعة ، ولکنه فاعل من حيث المعنى .والاسم إن خرج هنا عن حدِّ الفاعلية في الصنعة ، فإنه لم يفقد الإعراب المستحق له ، فهو لم يزل عمدة باقيًا على إعراب العمد وهو الرفع ، وأما في نحو : أعطيت زيدًا درهمًا ، فالجملة مشتملة على فاعل في المعنى ، لم يسبق استعماله فاعلا مستحقًا للرفع غير أن فحوى الجملة يدلک ويبصرک أن زيدًا آخذٌ للدرهم ، فهو فاعل في المعنى ، وأن الدرهم مأخوذ ، فهو مفعول به في المعنى ، وترتب على کون الأول فاعلا في المعنى ترجيح تقديمه مفعولا في جملته باعتبار فاعليته في المعنى ؛ لأن الفاعل أسبق رتبة في الصنعة النحوية من المفعول به . وفي نحو : تصبَّبتُ عرقًا ،وأصله : تصبَّبَ عرقي ، نقل الفاعل عن فاعليته ، وکونه عمدة مستحقًا للرفع ،إلى کونه تمييزًا فضلة مستحقًا إعراب الفضلات وهو النصب ، ولمَّا کان الفاعل لا يقدُم فعله باقيًا على بابه استصحب الأصل عند بعضهم ؛ فمنع تقديم التمييز على عامله المتصرف . وفي نحو : مررت برجل حسنِ الوجهِ ، لمَّا کان أصله: حسنٍ وجهُه ، فحول إسناد الصفة عن الفاعل الظاهر إلى ضمير الموصوف ، والصفة المشبهة المحمولة على الفعل في العمل مثلُه لا يرتفع بها فاعلان ؛ صار الفاعل في الأصل في صورة الفضلة ، وخرج إلى الجرِّ بالإضافة ، غير أنه بقي اعتبار الفاعلية في تعدم تعرف الصفة بإضافتها إليه ؛ لأن الفاعل لا يعرف فعله ، وجاز دخول ( أل) عليها معرِّفةً . نظرت في نحو هذه التراکيب وغيرها ، وتأملت ما للفاعل في المعنى فيها من تأثير في الجملة أصلا وتحويلا ، فطفقت أجمع من بطون الکتب راصدًا ما کان فاعلا في المعنى لأستبين أثره في الأحکام النحوية في دراسة بعنوان : ( فاعل المعنى وأثره في الحکم النحوي ـ عرضا ودراسة )
عبدالحميد أحمد عبد العواض, حمدي. (2017). فاعل المعنى وأثره في الحکم النحوي ـ عرضًا ودراسة. حولية کلية اللغة العربية بجرجا, 21(4), 3815-3907. doi: 10.21608/bfag.2017.21349
MLA
حمدي عبدالحميد أحمد عبد العواض. "فاعل المعنى وأثره في الحکم النحوي ـ عرضًا ودراسة", حولية کلية اللغة العربية بجرجا, 21, 4, 2017, 3815-3907. doi: 10.21608/bfag.2017.21349
HARVARD
عبدالحميد أحمد عبد العواض, حمدي. (2017). 'فاعل المعنى وأثره في الحکم النحوي ـ عرضًا ودراسة', حولية کلية اللغة العربية بجرجا, 21(4), pp. 3815-3907. doi: 10.21608/bfag.2017.21349
VANCOUVER
عبدالحميد أحمد عبد العواض, حمدي. فاعل المعنى وأثره في الحکم النحوي ـ عرضًا ودراسة. حولية کلية اللغة العربية بجرجا, 2017; 21(4): 3815-3907. doi: 10.21608/bfag.2017.21349